l|l جهاد الدفع أوكد الواجبات l|l
الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ورهبانية أهله الكرام، وسبيل النصر لهذه الأمة إلى أن تكتمل العدتان، وفي تركه الهلاك، والذل، والخسران، والهوان، به يغاث المستغيثون، وينصر المستنصرون، ويعز المؤمنون، ويذل الكافرون، أقصر الطرق إلى الجنة، وأوكد الواجبات في الظروف المدلهمة، وأهله الأعلون في الآخرة والدنيا، وهو ماض مع كل بر وفاجر إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة أكبر دجاجلة آخر الزمان، يقي الميتة الجاهلية، ويحول بين صاحبه وبين شعبة من شعب النفاق الكفرية، المجاهد موعود بإحدى الحسنيين، ومشفع في الوالدين، فياله من فضل عظيم، وعمل كريم لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
ولهذا كان لرسولنا الكريم، ونبينا العظيم في الجهاد القدح المعلَّّى والنصيب الأوفى حتى لقب بنبي الملحمة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل؛ فهم الأعلَون في الدنيا والآخرة، كان رسولنا في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب، والجنان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقفة على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم عند الله قدراً، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال:"وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا" 1 فهذه سورة مكية امر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان، وتبليغ القران ، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة) 2 .
أوكد واجب في هذا العصر بعد الإيمان على القادر المستطيع من المسلمين، جهاد الكفار والمنافقين، وقتال الغزاة المحتلين، وإخوانهم المعاونين، إذ لا يفتقر لإذن ولي أمر ولا والِدَين، ولا يلتفت فيه لتخذيل وتثبيط، المرجفين الخورة الجبانين، بحكم رسول رب العالمين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال:"الإيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور") 3 .
قال الإمام الحافظ أبو العباس القرطبي المالكي رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: (قوله "ثم الجهاد في سبيل الله" ظاهر هذا الحديث أن الجهاد أفضل من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهر حديث أبي ذر 4 : أن الجهاد مساوٍ للإيمان في الفضل، وظاهر حديث ابن مسعود يخالفهما لأنه أخَّر الجهاد عن الصلاة وعن بر الوالدين ، وليس هذا بتناقض؛ لأنه إنما اختلفت اجوبته لإختلاف أحوال السائلين، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يُجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وبالمتاكد في حقه، فمن كان متأهلاً للجهاد وراغباً فيه، كان الجهاد في حقه أفضل من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصالح للجهاد له أَبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، ولو تركهما لضاعا، فيكون بر الوالدين في حقه أفضل من الجهاد، كما قد استأذن رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" أَحيٌ والداك؟" قال: نعم، فقال:" ففيهما فجاهد" 5 ، وهكذا سائر الأعمال. وذلك في وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال، لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء شرقاً وغرباً، جبر الله صدعنا، وجدد نصرنا) 6 .
رحم الله الإمام أبا العباس القرطبي حين رأى وجوب القتال وتأكده وحتميته على أهل زمانه، ماذا عساه أن يقول وقد أعلنت قوى الشر والطغيان الحرب الصليبية على الإسلام والمسلمين بقيادة أمريكا وأذنابها في هذه الأيام، وغزت واحتلت كثيراً من البلدان، بعد أن عاثت في الأرض الفساد بالتقتيل، والتعذيب، والحبس، والإهانة لخيار عباد الله عز وجل؟
فحال المسلمين اليوم لم يسبق لها مثيل من قبل من حيث التفرق، والتشتت، والتباغض، والتنافر داخلياً، ومن حيث الذل والهوان والانكسار الموجه إليهم من قبل أعدائهم، بعد أن كسروا قلوب الحكام وملأوها خوفاً ورعباً منهم، حتى فاقت استجابتهم لمطالب الكفار تصور أعداء الله، ففتحوا لهم مياههم الاقليمية، ومكنوهم من أجوائهم، ومنحوهم أفضل المواقع لإقامة قواعدهم العسكرية وطائراتهم الحربية. لا فرق في ذلك بين المنتسبين للسنة والدولة الرافضية، والنبتة الشيطانية، إيران. فقد تنافس الجميع لتلبية رغبات الكفار، ووالوهم وتبرأوا من إخوانهم وخذلوهم وأسلموا العديد منهم إليهم ودخلوا معهم في تحالفات سرية وعلنية.
إن لم يوجب كل ذلك ويحتم جهاد الدفع للمحتل الصائل والكافر الغازي الفاجر، فلا يدري المرء متى يجب ذلك؟
كما قال الحافظ الإمام فإن هذا الوجوب (لا يخفى على من له أدنى بصيرة).
مشكلتنا اليوم هي والله في عمى البصائر، وميتة القلوب، وخيانة الضمائر، وحب الدنيا وكراهية الموت. وهذا هو الهلاك المبين، والخسران المحقق في الدارين، بحكم رب العالمين: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ". 7 فالتهلكة الحقيقية في الركون إلى الدنيا، والامساك عن الجهاد بالنفس والمال.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد) 8 .
وقد صدق ورب الكعبة، لا كما يتوهم المتوهمون، ويقول البطالون: بأن التهلكة في الخروج إلى الغزو والجهاد والرباط، هذا ما تهواه نفوسهم الخائرة، وتعتقده قلوبهم الباطنة.
دعنا نستمع إلى تأويل أبي أيوب الأنصاري لهذه الآية، ولا ينبئك مثل خبير، ذلكم البطل المجاهد المرابط المستشهد بالقسطنطينية ـ اسطنبول ـ خرَّج أهل السنن 9 من طريق أسلم أبي عمران قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية. وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مَهْ مَهْ لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: إنما نزلت فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا، ونصلحها، فأنزل الله تعالى: "وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ". فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية).
فليبشر الراكنون إلى الدنيا، عبيد الدراهم والدنانير، التعساء الأشقياء، ومن ألهتهم الزراعة وغيرها من الوظائف والحرف والصنائع الأخرى، عن مجاهدة أعداء الملة والدين، بالذل والهوان في الدنيا وبالمقت والخسران في الآخرة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة 10 ، إن أعطي رضي، وإن منع سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك 11 ، فلا انتقش 12 . طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يُؤذن له" 13 .
انظر هذه المقارنة بين حال عبيد الدنيا التعساء، وعشاق الجهاد وطالبي الشهادة الشرفاء النبلاء، لتعرف الفرق بين الصنفين والبون الواسع بين الهمتين.
ومما يدل على أن التهلكة في الحرص على الدنيا والتشبث بها وترك الجهاد بالنفس والمال ما روي عن ابن عمر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضنَّ 14 الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة 15 واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم 16 ".
ليس المراد التزهيد في الرعي والزراعة، بل الرعاة والمزارعون هم سند المجاهدين الذين يمدونهم وأهليهم بما يحتاجون، والكل مكمل لبعضهم البعض، فلولا الجهاد لما أمن الرعاة والزراع على مواشيهم ومحاصيلهم، ولكن الممنوع الاشتغال بذلك حتى يصد عن القيام بالواجب الأهم والوظيفة الأعظم الذي بها يحمى الدين ويذاد عن الممتلكات والحُرَم.
الإعداد للجهاد والتهيء له أمر لا بد منه، سواء كان جهاد دفع أو طلب، بل لقد تعبدنا الله بذلك فقال: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ" 17 فالأخذ بالأسباب مطلب شرعي، مع اليقين التام أن النصر من عند الله. فقد كان سيد الخلق وهو إمام المتوكلين يعد لقتال الكفار والمشركين والمنافقين العدة.
مع يقيننا التام ان جل الغزوات التي غزاها المسلمون منذ عهد رسولهم وإلى أَنْ وُضِعَت راية جهاد الطلب لم يكن عدد المسلمين ولا عتادهم مساوٍ ولا مقارب لعدد وعتاد الكفار وكان النصر حليفهم في نهاية المطاف، وما جهاد الفصائل الفلسطينية في غزة ودحرهم للغزاة وعدم تحقيق أهداف الصهاينة عنا ببعيد، على الرغم من التفاوت الكبير في العتاد والسلاح، مع التضييق والحصار الذي كان مفروضاً على أولئك الأبطال من حكومتهم غيرالشرعية وبني جلدتهم لأكثر من عام.
المطلوب من المسلمين أن ينصروا الله عز وجل بالاتزام بالأوامر والانتهاء عن المحرمات، بتحكيم شرع الله ونبذ ما سواه من القوانين الوضعية، برفع راية الجهاد وبالتناصح والتضافر، بموالاة إخوانهم المسلمين والتبرؤ من الكفار والمنافقين.
اعلم اخي المسلم أن خروجك للغزو والجهاد لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق:
من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد
ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها. ورضي الله عن الفارس الكرار، والبطل المغوار، سيف الله وسيف رسوله خالد بن الوليد القائل: (لقد خضت عشرين زحفاً، وليس في جسمي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وها انا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) أو كما قال.
أخي الحبيب..
كن غازياً مجاهداً بنفسك.
فإن لم تستطع:
فجهز غازياً بمالك "فمن جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا. ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا"
فإن لم تستطع:
فاخلفه في أهله وأولاده بخير.
فإن لم تستطع:
فكن ناوياً ومحدثاً نفسك بالجهاد ومحرضاً ومشجعاً وحاضاً على ذلك، ودافعاً لشبه الجبناء والمخذلين التعساء.
وإياك ثم إياك أن تكون الخامس فتهلك الهلاك المبين، وتخسر الخسران العظيم.
الخامس الهالك هو المثبط المخذل للمجاهدين، المعين الموالي لأعداء الملة والدين.
اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والفسق والعناد، وانشر رحمتك على العباد، واجعلها بلاغاً للحاضر والباد.
والحمد لله الكبير المتعال، وصلى الله وسلم على المنزل عليه: "أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" 18 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصدر: