سوريا موطن المخلل، فالخضار كثيرة والحمضيات أكثر، وربما من النادر أن تجد بيتاً يخلو من طريقة في فن إعداد وتحضير صنف أو أكثر منها،
أنا وربات بيوت مثلي نشعر أحياناً بأننا نتنافس في إعداده حتى يقال أن أم فلان تتفوق على جارتها وهكذا.
والشيء الجميل أن هناك أنواعاً عديدة منها كالخيار والملفوف والجزر والزهرة والفلفل الحار والفاصوليا والزيتون ونحرص على تعليمها لبناتنا من بعد.
ما علينا دعنا نعد للمخللات وأقول إنني لا أعتقد أن هناك وقتاً أو فصلاً محدداً يقتصر على تناولها فيه.
فحب المخلل ليس مواسم بل هو موجود على مدار الأيام والفصول، لكن قد تحمل برودة الشتاء معها نكهة الصيف في طعم المخلل،
وقد تحمل حموضة تزيل عنك قشعريرية البرد. وأضيف هنا أنه في رمضان يصبح المخلل ضيفاً دائماً على وجبة الإفطار،
وبرغم تنوع أصنافه وتعدد نكهاته فإن المخلل يبقى نفسه في المكونات وطرائق الإعداد. فهو يتكون من الخضراوات والخل والملح وقليل من السكر والثوم والماء.
وتتلخص طريقة تحضيره في غسل الخضار جيداً بالماء البارد، وتقطيعها حسب الرغبة،
ووضعها في أوعية زجاجية صغيرة أو كبيرة الحجم، مع إضافة مقدار من الملح والخل وقليل من السكر والثوم، ثم يضاف لكل كأس ماء ملعقة ملح أو اثنتان من الخل،
وثلاث قطع صغيرة من فص الثوم، ونصف ملعقة أو ملعقة كبيرة من السكر. ويمكن أن يتم إعداد المخلل في وقت قصير إذا تطلب الأمر ذلك بحيث يصبح جاهزاً للأكل،
وذلك بعد مضي فترة قصيرة على تحضيره، والأمر سهل، فقط استبدال الماء الساخن بالبارد، وينتهي الأمر..
أما بالنسبة لتحضيرها فالأصل أن لكل صنف أسلوب يختلف عن الآخر، والبيت الدمشقي يضم بين جنباته وساحاته مزروعات مختارة من تلك الأنواع،
والكل يجيد إعداد وتحضير المخللات. وقد يصل الأمر إلى حد أن كل منطقة تشتهر بصنف ما وتبدع فيه. والبيئة الزراعية تلعب دورها هنا،
خذ مثلاً أهل الساحل الغربي يجيدون ببراعة تخليل الخيار والجزر. ولا يقل أهل ريف دمشق عنهم في إجادتهم لتخليل الزيتون البلدي،
أما أهل حلب فحدث ولا حرج، فإنهم طهاة مهرة يحضرون كل شيء يساندهم الفستق الحلبي الذي تشتهر به منطقتهم ويضيفونه إلى المكدوس والفلفل الرومي والملفوف.
فحلب ليست قدوداً وموشحات فقط، بل إنها فن طبخ ومخللات. تسألني عن قدرة الجيل الحالي في الحفاظ على هذا الموروث الشعبي القديم أرد عليك أن لكل جيل أسلوباً مميزاً عن الآخر،
لكن الجميع يحرص في الحفاظ على هذا الكنز الثمين. فالأمر ليس محصوراً على جيل أو فئة عمرية دون سواها ففتاة اليوم ربة أسرة غداً وهكذا دواليك،
لكننا نحن جيل اليوم نهمس لبعضنا أن «الدهن في العتاقي» وأعاننا الله على حمل هذه الأمانة